فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

تعالى بعد هذه * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله * ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) * وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا عليه من وجوه الأول : ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له : " هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم ، قال : هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني : أن معنى قوله * ( اتقوا الله حق تقاته ) * أي كما يحق أن يتقى ، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه ، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي ، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ( التغابن : 16 ) واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته ، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله * ( حق تقاته ) * ما لا يستطاع من التقوى ، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله * ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) * ( الحج : 78 ) . فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : * ( وما قدروا الله حق قدره ) * ( الأنعام : 91 ) . قلنا : سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين ؛ أما الذين قالوا : إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات ، وكذلك قوله : أن يشكر فلا يكفر ، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال ، فأما عند السهو فلا يجب ، وكذلك قوله : أن يذكر فلا ينسى ، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق ، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ . قال المصنف رضي الله تعالى عنه ، أقول : للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين الأول : أن كنه الإلاهية غير معلوم للخلق ، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً للخلق ، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني : أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف ، وقيل : إن هذا باطل ، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي ، لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( حق تقاته ) * أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى : * ( حق اليقين ) * ( الواقعة : 95 ) ويقال : هو الرجل حقاً ، ومنه قوله عليه السلام : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " وعن علي رضي الله عنه أنه قال : أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، والتقى اسم الفعل من قولك اتقيت ، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت .